ملا محمد مهدي النراقي

76

جامع السعادات

( إن الله كان عليكم رقيبا ) ( 36 ) . وقال : ( ألم يعلم بأن الله يرى ) ( 37 ) . وقال رسول الله ( ص ) : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تراه فإنه يراك ) . وفي الحديث القدسي : ( ( إنما يسكن جنات عدن ، الذين إذا هموا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني ، والذين انحنت أصلابهم من خشيتي ، وعزتي وجلالي ! إني لأهم بعذاب أهل الأرض ، فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب ) . وحكي : ( أن زليخا لما خلت بيوسف ، فقامت وغطت وجه صنمها ، فقال يوسف : مالك ؟ أتستحيين من مراقبة جماد ولا أستحيي من مراقبة الملك الجبار ؟ ! ) . وهذه المعرفة - أعني معرفة اطلاع الله على العباد وأعمالهم وسرائرهم وكونه رقيبا عليهم - إذا صارت يقينا - أي خلت عن الشك - ثم استولت على القلب سخرت القلب وقهرته على مراعاة جانب الرقيب وصرفت الهمة إليه ، والموقنون بهذه المعرفة مراقبتهم على درجتين : إحداهما مراقبة المقربين ، وهي مراقبة التعظيم والاجلال ، وهي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة الجلال ، ومنكسرا تحت الهيبة ، فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير ، وهذا هو الذي صار همه هما واحدا ، وكفاه سائر الهموم ، وأخراهما مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب عليهم يقين اطلاع الله على ظهورهم وبواطنهم ، ولكن لا تدهشهم ملاحظة الجلال والجمال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للالتفات إلى الأحوال والأعمال والمراقبة فيها ، وغلب عليهم الحياء من الله ، فلا يقدمون ولا يجمعون إلا بعد التثبت ، ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة ، فإنهم يرون الله مطلعا عليهم ، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة . ثم ينبغي للعبد ألا يغفل عن مراقبة نفسه والتضييق عليها في لحظة من حركاتها وسكناتها وخطراتها وأفعالها . وحالاته لا تخلو عن ثلاثة ، لأنه إما أن تكون في طاعة ، أو معصية ، أو مباح . فمراقبته في الطاعة ، بالقربة ، والاخلاص ، والحضور ، والاكمال

--> ( 36 ) النساء ، الآية : 1 ( 37 ) العلق الآية : 14 .